الرئيسيةمقالات

دموع ندى القلعة… نشيدُ حربٍ بلا لحن

كتب عبد الجليل سليمان- سيبكي كثيرون كما بكت.. ندى محمد عثمان، الشهيرة بـ(ندى القلعة)، لم تعد مجرد مغنية شعبية؛ مع الحرب تحوّلت إلى مادةٍ للجدل والسخرية معاً. ظهرت في مقطع قصير، دموعها تنهمر مختلطة بسيلٍ من الأنف، لتعلن عودتها إلى القوننة (الغناء الغثاء) بعد أن امتنعت عنه بحجة أنه (يحرم عليها في زمن الحرب).

 

اختارت أن تكون مع الحرب، تحمل الحطب إلى نارها حتى استحقت لقب (حمالة الحطب). والأسوأ أنها ضايقت زميلاتها اللواتي لم يستطعن التوقف، لأن الغناء لم يكن ترفاً بل وسيلة بقاء. كان عليهن أن يرفعن الصوت أكثر، ليسددن فواتير الحياة ويؤمّنَّ الحد الأدنى من الكرامة.

(1)
لكن القلعة لم تكن تغني مجاناً. صارت بوقاً دعائياً، تتلقى—بحسب ما يُتداول—أموالاً من جهةٍ ما في بورتسودان، لقاء دعاية رخيصة تُبقي البندقية مشحوذة.
ومع انحسار العمليات العسكرية، بدأت القيادة في التخلص من الأعباء الزائدة: أُسكتت الأبواق واحداً تلو الآخر، حتى من داخل المؤسسة نفسها. وما العميد طارق الهادي والعقيد إبراهيم الحوري عن الأذهان ببعيد. فإذا أُقصي العسكريان، فماذا يبقى لبوقٍ مدني؟
من هنا جاء البكاء: بكاء الخسارة. بيتٌ ومركز تجميلٍ في الخرطوم عبثت بهما قوات الدعم السريع—وربما دُمّرا—ثم انقطعت الإكراميات، فعجزت عن تلبية الأساسيات، وهي التي اعتادت على حياةٍ مترفة خارج البلاد.
لم تدرك أنها بوق صغير يُطفأ بزرّ، وأن لا أحد سيعوّضها خساراتها الشخصية في سوق النهب المفتوح.

(2)
لم تكن (القلعة) وحيدة. حتى بعض الصحافيين والصحافيات صاروا طبعةً أخرى من الحكاية: توقّفوا عن العمل، لكنهم ظلوا يقبضون رواتب مقابل الولاء لشعار «بل بس». هؤلاء أيضاً سيأتي دورهم؛ سيتم التخلص منهم على الدَرَج نفسه، وربما يُقمع كل من يحاول رفع صوته حين يحين «البلّ» عليهم.

 

الحقيقة التي تعرفها الشعوب المبتلاة بالحروب، أن زمن الحرب هو زمن الكدّ لا القعود. رأينا إثيوبيين من خرّيجي الجامعات—أطباء ومهندسين —يلجؤون إلى الخرطوم، يعملون في الخدمات بأجور زهيدة ليصونوا كرامتهم. فكيف لمغنيةٍ جاهلة أو صحافي محدود القدرات أن يعلّقا رزقهما على موائد الريع، ثم يتوقّعا أن يستمر النبع بعد أن جفّت المدافع؟
السذج لا تحفظون الدروس. سيبكون كما بكت: بلا لحن، بلا تصفيق، بلا جمهور. سيبكون فقط لأنهم صدّقوا أن البوق يمكن أن يعيش أطول من الحرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى